الدكتور أحمد ضياء الدين يكتب مقال “التغيير والتفسير ” ردا على هجوم الإرهابيين على القوات المسلحة

FB_IMG_1509534497232

الدكتور - أحمد ضياء الدين محافظ المنيا الأسبق

 

بقلم أ.د – أحمد ضياء الدين

محافظ المنيا الأسبق 

 

 

 

 

 

 
نجحت مصر، ومؤسساتها العسكرية والأمنية، فى جهودها المخلصة، لتحقيق الثأر من الخونة الإرهابيين، والذين ارتكبوا مجزرة كارثة الواحات، والتى راح ضحيتها عدد من شهداء مصر الأبرياء، والشرفاء، والذين نحسبهم عند المولى تعالت قدرته بإذن الله أحياء يرزقون. وفى إطار التخطيط الموضوعى، والعلمى، والناجز، والهادف إلى تصحيح ما ثبت وجوده من أخطاء جسيمة أدت إلى وقوع تلك الكارثة، وتزايد عدد الشهداء فيها.
فقد تم فى ذلك الإطار بقوة مشتركة من أبطال القوات المسلحة المتخصصة فى عمليات الإغارة، وتخليص الرهائن، مع أبطال مماثلين من المؤسسة الأمنية، ومعززة بغطاء جوى قادر على رصد الأهداف، وتتبع حركاتها، والتعرف على أماكن اختبائها، وطرق انسحابها، وكافة معداتها، ومختلف أسلحتها. تلك القوة التى استطاعت فى الأمس أن تدمر فلول الإرهاب مرتكبة حادث الواحات، وتصل فى النهاية إلى الضابط رهينة مصر، والذى استطاع الإرهابيين أثناء ارتكابهم لجريمتهم الشنعاء، الوصول إليه، واقتياده حيث أوكارهم، لتبدأ من خلاله حملة إعلامية زائفة توضح فى النهاية ما استطاعوا أن يحققوه، وليدخلوا فى مساومات، ومفاوضات، مع أجهزة الدولة، لإمكان تحقيق أكبر نصر لهم فى مخططهم الإرهابى.
ولقد ساد بالأمس شعور هائل لدى كافة المصريين ناجم عن إحساسهم بأخذ ثأر شهدائهم، والذى هو بالطبع مهما بلغ قدره لن يعوض أظفر واحد من أجساد هؤلاء الشرفاء. ولكن الأمر يتجاوز ذلك بكثير باعتبار أن الثأر هو وسيلة قادرة فى النهاية على تهدئة الروع، وإثلاج الصدر، وتجفيف الدمع، وخلق الرضا، وتعظيم القناعة، بسمو قدرة الدولة بأجهزتها المختلفة على مواجهة الإرهاب، وكسر شوكته، وتركيع غروره.
وبغض النظر عن ذلك كله فإن تلك الجهود البطولية التى تمت بالأمس وأسفرت عن تدمير عدد من الإرهابيين بكافة إمكانياتهم، ووسائل تسليحهم، والوصول إلى الضابط البطل/ محمد السايح، وتخليصه من أيدى الشرذمة الملوثة بدماء الأبرياء، وإعادته مرة ثانية سالما إلى أحضان مصرنا الغالية. فإن ذلك كله يستوجب من الغيورين، والمنصفين، والجادين، والمؤمنين بقوة وطنهم، وسلامة مقصدهم، وسمو قيمة أبنائهم، وجوب التدخل لقراءة الحدث، واستخلاص ما ينتج عنه من نتائج ومردودات، بعيدا تماما عن التأجيج الإعلامى، والذى يخرج علينا فى كل لحظة بتعليقات، ورؤى مختلفة لا يجمع بينها فى النهاية سوى خلع الأوصاف غير المحسوبة، وغير الموضوعية، على أصحابها باعتبارهم كافة قد صاروا خبراء أمنيين.
وتتمثل أهم تلك النتائج، والمردودات فيما يلى:
أولا: المسارعة فى مدارسة السلبيات الناجمة عن المواجهة الأولى فى كارثة الواحات، والعمل العلمى القائم على الفهم، والتخطيط، والإعداد، والتنظيم، والتنسيق، والسرية، والإحساس العميق بالمسئولية، والرغبة الجادة والأكيدة، فى تحقيق الأهداف المرضية لجموع الشعب المصرى، دون قبول لأي قدر من الإخفاق أو السلبية مرة أخرى. وهو ما كان يجب حدوثه من قبل.
ثانيا: تجاوز كافة التبريرات، والأعذار، والمعوقات، والعقبات، والترديدات، والترددات، التى تحول فى النهاية دون إمكان التحقيق الكامل للأهداف المشار إليها والمتمثلة فى أمرين جوهريين لا حياد عنهما، ولا قبول لأي قدر من التضحية بهما وهما تدمير كافة العناصر الإرهابية بإمكانياتها المختلفة، والوصول إلى الضابط الرهينة الذى يساوى لدى مصر ما لا يمكن تقديره، أو قبول المساومة عليه.

 
ثالثا: اقتناع القيادة السياسية الفوري، والحاسم، والحتمى، والنهائى، بثبوت وجود قصور يستوجب المساءلة الحالة والضرورية، ويفرض الإسراع بإحداث التغييرات الواجبة سواء فى إطار المؤسسة العسكرية، أو المؤسسة الأمنية، دون توقف أو تراخى، أو تأخير مهما كانت الأسباب، والظروف، والمتغيرات.

 
رابعا: وجوب التسليم الدائم والمستمر بما تفرضه المدد المطولة، والآمنة، وما تخلقه فى النفوس البشرية من شاغلى المناصب العليا والقيادية، باستئمان المنصب، والاقتناع الذاتى بقدرة شاغله على تحقيق إنجازات غير مسبوقة. الأمر الذى يصبغ أدائه فى النهاية بقدر هائل من الغرور المؤدى حتما للفشل والإخفاق.

 
خامسا: ملاءمة مواجهة ذلك الإحساس الزائف بالغرور الناجم عن طول مدد شغل الوظائف العليا والقيادية، بوجوب الإسراع الدائم بالتغيير، والإبدال، والبحث الدائم عن العناصر الكٌفأة، والقائم اختيارها على تقييم الأداء الواقعى لها، وقدرتها الحقيقية على مواجهة الظروف والأزمات، وبشكل يباعد بين نتائج ذلك الاختيار، وبين اعتماده بشكل مستمر على التقارير النظرية، والمعلومات المسطرة، والتى لا يمكن إطلاقا أن تعكس ملامح شخصية أصحابها، سوى القطع بسلامتها، ورغبتها الدائمة بالعيش فى هدوء دون مشكلات، أو مواجهات. وهى عناصر كلها لا تنبئ بالخير فى اختيار أصحابها لشغل المناصب الهامة، والحساسة، والمؤثرة على مسيرة الوطن وشعبه.

 
سادسا: ضرورة التطلع والفورى، بالابتعاد الدائم، والتام، والكامل، على ربط الاختيارات فى تلك المناصب على أية تزكيات، أو توسطات، أو توصيات، أو إعلاءات، أو علاقات، أو الرغبة فى التعويض عن أى إجحاف، أو ظلم سابق، أو معرفة، نتيجة سبق العمل مع أصحابها، أو الالتصاق بها فى مجالات قد تبرر إعادة الاختيار لها.

 

وذلك رغم عدم صلاحية ذلك كله كأساس لإعادة الاختيار، خاصة فى ظل ظروف ومتغيرات لم تعد إطلاقا تسمح ولول بشبهة الخطأ، أو تكراره.

 
سابعا: وجوب التركيز على ما يفرضه مضى العمر، وبلوغ سن لا مجال إطلاقا للمكابرة فيما يفرضه من سلبيات على الإنسان شخصية، وجسدا، وفهما، وقدرة، وحركة، وتحملا لمشقات العمل العام. الأمر الذى بات يفرض ضرورة حصر الاختيارات فى المناصب العليا، والسيادية، والحساسة، والقيادية، على الشباب فحسب أي بصورة يجب ألا يتجاوز حدها الأقصى خمسين أو ستين عاما.

 

ومن ثم الابتعاد عن كافة التبريرات الدائرة دوما فى نطاق وجوب الاستفادة من أصحاب الخبرة، والسعى الدائم إليهم لإعادة بعثهم من مراقدهم. وذلك كقاعدة عامة يمكن الخروج عليها باستثناءات ولو بسيطة أو محددة عند الضرورة القصوى التى تستوجب اختيار بذاته دون غيره.

 
ثامنا: وجوب التسليم بإرجاع ما تحقق من نجاحات فى الأمس لتصحيح ما حدث من أخطاء فى كارثة الواحات إلى عدة أمور يأتى فى مقدمتها سرعة تحرك القيادة السياسية باعتبارها المسئولة الأولى عن مقدرات هذا الوطن وشعبه، واتخاذ قرار فورى للقصاص العاجل باسم الشهداء والوطن، وترجمة ذلك ثانيا فى تغييرات حالة تفرض وجوب إجرائها فى كافة المؤسسات وثيقة الصلة بالحادث، دون توقف أمام تبرير أو سبب مهما كان قدره، أو تعاظمت موجباته.

 

تاسعا: لزوم الاقتناع الدائم والمستمر بوجوب فتح كافة ملفات المشكلات سواء الأمنية أو غير الأمنية، والمؤثرة فى حياة الوطن والمواطنين، بمعرفة السيد رئيس الجمهورية شخصيا مهما بلغ قدرها، وتعددت جسامة سلبياتها. وذلك بالطبع بسبب ما يتوافر فى شخصية رئيس الجمهورية بحكم اختصاصاته، وإمكانياته، وقدراته فى الإلزام لكافة مؤسسات الدولة وأجهزتها، واستحالة الوصول إلى أي قدر من ذلك كله دون أن يتم صدور قرارات ملزمة منه شخصيا.

 

ولا يقدح فى ذلك إطلاقا الاعتراض بإمكان التعلل بجسامة تلك الأعباء، وعدم القدرة على حملها، أمام مسئوليات أخرى لقيادة الدولة قد تستنزف الوقت والجهد من رئيسها، وبصورة تستوجب ضرورة توزيع المهام والأعباء، وتفويض الأخرين للقيام بها. وهو توزيع، وتفويض لن يؤتى إطلاقا أية ثمرة مرجوة منه بسبب ما يعانى منه الكافة من ارتعاش، وتردد، وخوف، ورغبة فى البقاء فى المنصب دون الدخول ولو بأي قدر فى مشكلات أو مواجهات قد تعجل فى النهاية من إمكان ترك ذلك المنصب، أو الإقالة منه.

 
عاشرا: لزوم عدم الرضاء أبدا بمنهج رد الفعل فى مواجهة المد الإرهابى، وإعلائه على منهج بدء الفعل، لما يحققه ذلك الثانى دون الأول من تحقيق أهم ما يجب أن يحرص عليه الأداء فى تلك المواجهات من قدرة على الوصول لعنصرى المبادرة، والمفاجأة. ذلك العنصران اللذان يقدران دون غيرهما على زلزلة جهود الإرهاب، وإمكان تدمير بؤره، وأكمنته، وملاذاته، وإجهاض خططه، خاصة فى محاولاته الدائمة والمستمرة للانسحاب والهروب من مسرح العمليات إلى الحدود المتسعة حيث إمكانية الاختباء باعتباره أهم مظاهر النجاح فى العمليات الإرهابية بعد إتمامها.

 
حادى عشر: وجوب تعظيم قدر الجهد المبذول- وهو يقينا جهد يستحق دوما التقدير والثناء- للوصول إلى أكبر قدر من المعلومة الأمنية، باعتبارها جوهر النجاح فى المواجهة مع ذلك المد الإرهابى، ومناط تحقيق منهج بدء الفعل للقضاء على فكره، وعناصره، وبؤره، وجحوره، ولزوم النظر إلى تلك المعلومة باعتبارها فى النهاية أغلى ما يمكن الوصول إليه لتحقيق النجاح الأمنى بل وغير الأمنى فى مجالات الحياة المختلفة.

 
ثانى عشر: وجوب الإسراع فى تعديل النظام القانونى المحيط بكافة إجراءات المحاكمة الجنائية وفقا لنصوص قانون الإجراءات، وأحكام الدستور، للوصول من خلال ذلك إلى العدالة الناجزة التى يتعين أن تنتهى دوما بصدور أحكام قضائية نهائية باتة تفصل فى كافة قضايا الإرهاب دون تسويف، أو مماطلة.

 

خاصة وأن إحالة كافة هؤلاء الإرهابيين إلى محاكم القضاء العسكرى يتوافر فيها الضوابط القانونية الكفيلة بنسف أية انتقادات قد توجه إلى ذلك القضاء حتى ولو لم يتم اتخاذ إجراءات تشريعية جديدة، طالما أن الإرهابيين يرفعون أسلحة، ومعدات، وإمكانيات، ومواد، كلها تابعة للقوات المسلحة، سواء من حيث وجود مثيلها لديها، أو أهميتها لها، أو اعتمادها عليها، أو اختصاصها بها حتى ولو كانت من تلك المهربة من الخارج. الأمر الذى يجعل اختصاص القضاء العسكرى بتلك الجرائم محسوما من الوجهة القانونية دون حاجة لأي إجراء أخر سوى مجرد توافر الإرادة الحقيقية لإحالة الإرهابيين لذلك القضاء وصولا للعدالة الناجزة دون احتواء تلك الرؤية على أي قدر قد ينال من مكانة القضاء الجنائى العادى، أو ينتقص من جهوده فى إطار ما يتحمله من مشاق، ومسئوليات، وأعباء كنتيجة طبيعية للتزايد الهائل فى أعداد السكان، ومن ثم الخارجين دوما على القانون منهم.
تلك أهم الحقائق التى تنبع عن قناعة شخصية فى إطار حسن مدارسة مشهد الأمس، للوقوف عليه، وحسن تقييمه، للانطلاق منه، إلى مزيد من الإنجاز، والنجاح، دون ترك ولو فرصة واحدة للفكر الإرهابى لتحقيق أي قدر من أهدافه الوهمية، والزائفة، أو إعادة مشهد الواحات الآليم.
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)
صدق الله العظيم..

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>