أخبار عاجلة

ظاهرة التنمر عند الأطفال،،، أسبابها و آثارها و كيف نحد منها؟

بقلم م. غادة العاصي

يعد التنمر شكل من أشكال الإساءة و العنف الذي يتعرض إليه الطفل و يتمثل بإيقاع الأذى على فرد أو أكثر بدنيا أو نفسيا أو عاطفيا أو لفظيا، و يتضمن كذلك التهديد بالأذى البدني أو الجسمي بالسلاح و الابتزاز، أو مخالفة الحقوق المدنية، أو الاعتداء و الضرب، أو العمل ضمن عصابات و محاولات القتل أو التهديد، كما يضاف إلى ذلك التحرش الجنسي. و يمكن أن يصدر التنمر من طفل أو مجموعة من الأطفال بحيث يفرض قوته على الطفل الآخر الأضعف، و يرى كل من جوفانن و جراهام وشيستر أن التنمر هو ذلك السلوك الذي يحصل من عدم التوازن بين فردين الأول يسمى المستقوي أو المتنمر و الآخر يسمى الضحية، حيث أنه أذى جسمي أو لفظي يقوم به المتنمر تجاه شخص ما أضعف منه، أو أصغر منه أو أقل شعبية أو أقل شعورا بالأمن من خلال السب و الشتم و الحقير اللفظي و الهمز و اللمز و التنابز بالألقاب عند النداء و السخرية و التهديد بالكلام أو قيام المتنمر بالإساءة إلى سمعة الطفل و السعي إلى تشويهها أمام أقرانه و أصدقائه و زملائه و إخبارهم بعدم مرافقته و نشر الإشاعات الكاذبة عن الطفل أو إعطائه تسمية عرقية و هذا ما يسمى التنمر اللفظي،. أو تعرض الطفل للمضايقات و الملامسات الجنسية أو التهديد بالممارسة و التحرش الجنسي أو إسماع الطفل كلمات جنسية قذرة و هذا ما يسمى بالتنمر الجنسي، أو تعرضه للضرب و الصفع أو القرص أو الرفس أو الركل أو الإيقاع أرضا و هذا ما يسمى التنمر الجسدي، و هناك التنمر على الممتلكات من خلال أخذ ممتلكات الطفل و التصرف فيها أو عدم إرجاعها أو إتلافها، و في عصر التكنولوجيا و استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك و البريد الإلكتروني و الهاتف الخليوي أصبح الأطفال يتعرضون للتنمر الإلكتروني من خلال رسائل و ألفاظ غير لائقة تصلهم عن طريق البريد الإلكتروني أو حتى الهاتف الخليوي أو نشر إشاعات على صفحات الانترنت. و للتنمر أشكال كثيرة حيث يعتمد على البيئة التي يحدث فيها السلوك، حيث أن هذا السلوك قد أخذ بازدياد في الأوقات الراهنة رغم التصدي له و التوعية لمخاطره على صعيد البيئة المحلية و المجتمع بشكل عام، حيث يتعرض (١٠-١٥٪) من جميع الأطفال في العالم إلى التنمر و يؤثر على خمسة ملايين طالب في المرحلة الأساسية و المتوسطة في الولايات المتحدة الأمريكية و يقدر الخبراء بأن هناك نحو 3,7 ملايين طفل في الولايات المتحدة الأمريكية يتعرضون للتنمر في المدارس الأساسية الدنيا أو المتوسطة، و أن نحو 20% يتعرضون لمعاناة طويلة المدى من التأثيرات النفسية و السيكوسوماتية و الأفكار الانتحارية جراء التنمر عليهم، لكن السؤال المطروح الآن: ما هي الأسباب والدوافع التي جعلت المتنمر يقوم بمثل هذه التصرفات بالضحية؟ لا ننكر أن هناك عوامل و أسباب تسهم في سلوك المتنمر مثل: قلة الوعي في المنزل و قلة الرقابة من الأهل و غياب الإشراف و التوجيه و التربية من قبل الأم و المعلم، و ضعف شخصية الضحية و عدم دفاعها عن نفسها و إثبات قوة شخصيتها أمام المتنمر لردعه عن التمادي بارتكاب مثل هذه التصرفات، بالإضافة إلى اتباع الأهل أسلوب الضرب ك وسيلة عقاب مجدية حيث ترسخ فيه مفهوم التنمر و الاستقواء على أقرانه و تفريغ حقده و مبادرته بالهجوم، حيث أن أفكار الطفل المتنمر تكون مستمدة من خلال استخدام أسلوب القوة حيث يقول في ذهنه :” إن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم” فهذه الفلسفة تدفعه ليكون متنمرا في المجتمع، و قد تكون هناك غرائز و عواطف و عقد نفسية بالإضافة إلى الشعور بالإحباط و الاكتئاب و القلق، و معاملة الآباء للأبناء ما بين العنف الذي قد يصل إلى حد الإرهاب و الدليل الذي قد يصل حد ترك الحبل على الغارب، كل هذه الأسباب تغذي و تحرض قيام الطفل بالتنمر، فالعنف يولد العنف كذلك غياب الأب عن الأسرة و وجود أم مكتئبة أو مشاكل الطلاق بين الزوجين و أثرها على الأبناء و العنف الأسري الذي قد يسود في بعض الأسر، فكل هذه الأسباب قد تكون بيئة خصبة لتوليد العنف و التنمر عند الأبناء. أما بالنسبة إلى علماء النفس و الفلاسفة فقد فسروا هذا السلوك من خلال عدة جوانب : فبحسب النظرية السلوكية مثلا تنظر إلى سلوك التنمر على أنه سلوك تتعلمه العضوية؛ فإذا ضرب الولد شقيقه مثلا و حصل على ما يريد، فإنه سوف يكرر سلوكه هذا مرة أخرى كي يحقق أهدافها جديدة، لكن فرويد يرى أن سلوك العدوان و التنمر ما هو إلا تعبير عن غريزة الموت؛ حيث يسعى الفرد إلى التدمير سواء تجاه نفسه أو تجاه الآخرين، حيث أن الطفل يولد بدافع عدواني، لكن ممثلو الاتجاه الفسيولوجي يروا أن سلوك التنمر يظهر بدرجة أكبر عند الأفراد الذين يعانون تلف و مشاكل في الجهاز العصبي أو ما يسمى التلف الدماغي، و يرى فريق آخر أن هذا السلوك ناتج عن ارتفاع هرمون التستوستيرون في الدم حيث وجدت الدراسات أنه كلنا ازدادت نسبة هذا الهرمون في الدم زادت نسبة حدوث السلوك العدواني. و قد تلحق هذه الظاهرة المقيتة الأضرار بالطفل الضحية سواء على المدى القصير أو البعيد؛ حيث أن الطفل المعرض للتنمر يكون في أغلب أوقاته وحيدا منعزلا عن العالم الخارجي و يكره الذهاب إلى المدرسة أو قد يذهب إليها مكرها عنه، و يكون معرضا لاضطرابات النوم و مشاكل التبول اللاإرادي، كما تقل كميات الأكل التي يتناولها عن المستوى الطبيعي و الصحي، و تظهر عليه أمارات القلق و الاكتئاب و هذا ينعكس على تحصيله الدراسي سلبا، حيث كشفت دراسة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس شملت 23 طالبا في المدرسة المتوسطة في لوس أنجلوس أوضحت أن زيادة التنمر مرتبط بانخفاض درجات الطلاب في المرحلة المتوسطة و أن أداء الطلاب الذين صنفوا بأنهم الأكثر تعرضت للتنمر كان أكثر سوءا عن أقرانهم أكاديميا، كما أن التنمر يودي بحياة الطفل إلى الهلاك على المدى البعيد حيث يكون الأطفال المعرضين للتنمر أكثر عرضة للإصابة ب اضطرابات نفسية مزمنة مثل :الاكتئاب المزمن و القلق و التفكير بالانتحار و ضعف الصحة العامة و إدمان المخدرات و معاناتهم

من مشاكل عاطفية سلوكية تؤدي بهم إلى السلوك التدميري الذاتي و هناك عدد من الأطفال الذين تعرضوا للتنمر أصبحوا هم من يقومون به لإثبات قوتهم و تفريغ حقدهم، لكن السؤال الآن :كيف يمكننا معالجة أو الحد من تفاقم هذه الظاهرة و السيطرة عليها بين الأطفال في عالمنا؟ إن مسؤولية المدرسة بالتعاون مع الأهالي كبيرة لمعالجة ظاهرة التنمر و ذلك من خلال إعداد برامج موجهة للأهالي و إكسابهم مهارات التواصل مع الأطفال و الإصغاء إليهم و التقبل و التعاطف و مساعدتهم على حل المشكلات و الانفتاح الذاتي مع الأبناء و التواصل مع المدرسة للتفكير في طرق لحماية الأبناء و زيادة الإشراف على المرافق العامة في المدرسة و زيادة وعي الآباء حول مؤشرات تعرض طفلهم للتنمر مثل العزلة أو التغيب عن المدرسة و العمل على زيادة ثقة الطفل الضعيف بنفسه و إثبات شخصيته في الدفاع عن نفسه إذا تعرض للتنمر، و تطبيق النظرية العقلانية الانفعالية السلوكية مع المتنمر أو ما يطلق عليه التواصل الإيجابي من خلال التدخل السلس في تصحيح أفكار هؤلاء الأطفال بإقناعهم و إرشادهم بالمنطق أن هذه الأفعال التي يقومون بها من استعلاء و استبداد و عدوانية تجاه ضحاياهم خاطئة و باطلة و أن القوة و السيطرة على الآخرين لا تجعل الفرد قويا و لكنه تجعله مكروها بين زملائه. فهذه الطريقة تمكن المتنمرين من استبدال أفكارهم اللاعقلانية بأفكار عقلانية سليمة مقنعة،،، و في النهاية يمكن القول أن السلام أبدا لا يأتي عبر إلقاء القنابل،،، السلام الحقيقي يأتي عبر تنوير الناس و عبر تعليمهم أن يتصرفوا بأسلوب مقدس.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*